كلمة المكتب المركزي في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني الثاني عشر للجمعية المغربية لحقوق الإنسان

06/05/2019 11:23

عام

مستجدات الجمعية

كلمة المكتب المركزي في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني الثاني عشر للجمعية المغربية لحقوق الإنسان
كلمة المكتب المركزي في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني الثاني عشر للجمعية المغربية لحقوق الإنسان

السيدات والسادة ضيوف المؤتمر،

الرفيقات والرفاق المشاركين في المؤتمر،

الحضور الكريم،

يسعدني أن أرحب بكم/ن، باسم المكتب المركزي، للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في رحاب هذا الحفل الافتتاحي للمؤتمر الوطني الثاني عشر، الذي ستتواصل أشغاله هنا بالمركب الدولي ببوزنيقة، طيلة أيام 26، 27 و28 أبريل الجاري؛ وذلك تحت شعار:

" نضال وحدوي لتفعيل الميثاق الوطني لحقوق الإنسان، والدفاع عن كافة الحقوق والحريات"؛

هذا الشعار الذي يترجم الإدراك العميق للجمعية، كما لدى العديد من الهيئات والمنظمات غير الحكومية، بضرورة تمتين عرى الوحدة بين مكونات الحركة الحقوقية والديمقراطية، واقتناعها بالحاجة الماسة إلى تقوية عملها المشترك، لمغالبة حالة الجزر التي باتت تعرفها أوضاع حقوق الإنسان، وتجاوز التشتت الذي تعاني منه. وهي وحدة لا تلغي التعدد التنظيمي، أو التنوع في الرؤى والمقاربات والاختلاف في تحديد واختيار الأولويات؛ إنها وحدة تتوجه إلى الفعل الجماعي، كفعل يروم تجميع القوى والمبادرات، وتحصين المكتسبات وتوسيع مجالاتها، وتثمين ما تمت مراكمته حتى الآن على صعيد تجارب التشبيك من تنسيقيات وائتلافات وأنسجة وترصيده.    

ويمثل الميثاق الوطني لحقوق الإنسان، الذي جرى تحيينه وتوقيعه من قبل جزء واسع من الحركة الحقوقية ببلادنا، بتاريخ 12 دجنبر 2013، في غمرة المد النضالي الذي أطلقته حركة 20 فبراير، قاعدة مثلى للوحدة المنشودة؛ نظرا لكونه يجسد بحق اطارا مرجعيا، للمكونات الموقعة عليه، وحدا أدنى التزمت بجعله منطلقا لبرامجها وانشغالاتها، وموجها لها، ولحركة حقوق الإنسان المغربية قاطبة، في الدفاع عن حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها، بعيدا عن كل خصوصية أو تجزئة.

السيدات والسادة؛

ينعقد المؤتمر الثاني عشر للجمعية في سياق إقليمي ودولي مضطرب ومتحول، مطبوع باستمرار وتعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز هيمنة الدول الامبريالية على مصائر ومقدرات الشعوب، وانتشار النزاعات والحروب، وانبثاق مجموعة من بؤر التوتر الحاضنة للإرهاب العابر للبلدان والقارات، وانتعاش الخطابات العنصرية التي تتغذى على كراهية الآخر المختلف، ومعاداة الأجانب والمهاجرين. هذا فيما لازالت العديد من الشعوب، وخاصة في المنطقة المغاربية والعربية، كما هو الشأن بالنسبة للشعبين الشقيقين الجزائري والسوداني، تواصل انتفاضها في وجه التسلط والاستبداد، وتسعى جادة إلى بناء مجتمعات ديمقراطية ينعم فيها المواطنون والمواطنات بحقوقهم وحرياتهم الأساسية.

وإذا، كانت القوى المدافعة عن قيم الحرية والتقدم تعمل بنشاط عبر العالم من أجل دمقرطة المجتمعات والعلاقات الدولية، وتبذل جهودا كبيرة لتحسين منظومة حقوق الإنسان، وتطوير آلياتها لمواجهة موجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والشعوب التي تعرفها مجموعة من المناطق؛ فإنه لا يمكن إلا نتوقف عند النزوع المتنامي لدى الدول العظمي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، نحو خرق الشرعية الدولية، وانتهاك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، والدفاع العلني عن الافلات من العقاب في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وحماية الأنظمة الاستبدادية الموالية لها، في مقابل الهجوم على الدول والأنظمة المناوئة لمصالحها، والاعتماد بشكل متزايد على قانون القوة والغلبة لفرض الأمر الواقع.

وهنا لا بد أن نستحضر، كفاعلين حقوقيين، المخاطر البليغة والتهديدات الخطيرة، التي ما فتئت تواجه حركة الدفاع عن حقوق الإنسان في عالم تتراجع فيه الإرادة السياسية للدول في الالتزام باحترام هذه الحقوق، وتختل فيها موازين القوى لصالح القوى المناهضة لها والممعنة في انتهاكها، وينكمش فيه الحيز الخاص بعمل المجتمع المدني، مع ما يستلزمه ذلك من نضال وتضحيات لحماية حق المدافعين في الدفاع عن حقوق الإنسان.

الحضور الكريم،

لقد اغتنمت الدولة تغير الظرفية الإقليمية والدولية، من أجل تشديد قبضتها على المجتمع، والانتقام من كل التعبيرات والأصوات المخالفة والمنتقدة لاختياراتها وسياساتها في مختلف المجالات، والعصف بمجموعة من المكتسبات، عبر تحرير الاسعار، وتسليع الخدمات، ومراجعة نظام التقاعد، والمس بالحق في الاضراب وتجميد الحوار الاجتماعي... وبهذا، عرفت أوضاع حقوق الإنسان تراجعات صارخة على جميع المستويات، وهو ما يتضح من خلال العديد من المؤشرات، التي تهم حرية الصحافة والتعبير، ومستوى جودة العدالة واحترام القانون، وعلى صعيد الحكامة والشفافية، وأيضا على مستوى العديد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وحقوق الفئات. هذا فيما استمر العمل بنظام الريع والامتياز، وجرى تعميق التفاوتات بين الطبقات الاجتماعية، وتوسيع التمايزات المجالية.

غير أن أبرز ما ميز ومازال يميز خطاب الدولة في مجال حقوق الإنسان، إنما هو ذلك التباعد والتناقض القائم بين خطاب متخم بزيف الشعارات وخواء المؤسسات، وبين الواقع المثخن بالخروقات والانتهاكات. فبالرغم من جميع الوصفات، التي جرى اعتمادها حتى الآن، فإن ذلك لم يغير الكثير من سلوك الدولة في تعاطيها مع مجمل الحقوق والحريات الأساسية، إذ ظل مسعى التحكم والنزوعات السلطوية حاضرة بقوة، عند معالجة الأوضاع السياسية والاجتماعية، وفي تنظيم العلاقة بين السلطة من جهة، وبين هذه الأخيرة وعموم المواطنين.

وقد أفرز ذلك وضعا متوترا وشديد الاحتقان، أنجب سلسلة من الانفجارات الاجتماعية الحادة، تجسدت بصورة قوية في حراك الريف وجرادة، وغيرهما من الحركات الاحتجاجية في مناطق عدة كزاكورة، وبني ملال، وايمينتانوت واوطاط الحاج...؛ واجهتها الدولة جميعها باللجوء إلى المقاربة الأمنية كخيار استراتيجي قائم على كبح وإخماد كل نفس شعبي.

ويمكن اعتبار محاكمة نشطاء حراك الريف، عنوانا لتطور وضعية حقوق الإنسان في المغرب، ومؤشرا لقياسها خلال السنوات الأخيرة. فقد أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، يوم 26 يونيو2018، أحكاما ب308 سنة نافذة في حق 52 معتقلا و 81000 درهم غرامة نافذة على 39 منهم، وأصدرت محكمة الحسيمة العديد من الأحكام في حق العشرات الآخرين ضمنهم قاصرون وعددهم 158، توبع 117 منهم في حالة سراح و41 في حالة اعتقال. ولقد بلغ عدد المعتقلين والمتابعين بسبب انخراطهم في الاحتجاجات السلمية بالريف ما لا يقل عن 800 ناشط وناشطة، وأكثر من 1400 حالة استدعاء واستماع لدى الشرطة وتوقيع محاضر لم يطّلع أغلبهم على مضمونها، تم اعتقالهم على خلفية احتجاجات مطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لمنطقة غارقة في التهميش والهشاشة.

وبهذه المناسبة فإنني أعبر باسم المكتب المركزي، عن تنديدنا بهذه الأحكام، ومطالبتنا بإسقاط كل المتابعات وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وفي مقدمتهم معتقلو حراك الريف وجرادة وغيرهم من الصحفيين والمدونين، ونشطاء الحركات الاجتماعية والحركة الطلابية والمعتقلين الاسلاميين والصحراويين...

كما لا يسعنا إلا أن نعرب عن ارتياحنا لوقف الاضرابات عن الطعام التي خاضها هؤلاء المعتقلين، داعين المسؤولين إلى تجميعهم في مكان قريب من عائلاتهم ودويهم، وتمتيعهم بكل حقوقهم واحترام كرامتهم.  

أيتها السيدات أيها السادة؛

لازالت الحركة الحقوقية تنتظر التنفيذ الكامل لتوصيات هيئة الانصاف والمصالحة، ذلك أن أغلب هذه التوصيات لم تفعل؛ ومن ضمنها الاعتذار الرسمي والعلني للدولة وإلغاء عقوبة الإعدام والانضمام للمحكمة الجنائية الدولية والإصلاحات السياسية الفعلية، والإصلاحات التربوية وضمان استقلال القضاء، وحفظ الذاكرة، ووضع استراتيجية وطنية لعدم الإفلات من العقاب والحكامة الأمنية… وغيرها، ناهيك على أن العديد من ملفات جبر الضرر لم تسو بعد بالكامل، ولازال البعض من الضحايا يواصلون نضالهم من أجل تسوية أوضاعهم.

وبخصوص الاصلاحات الدستورية فرغم انصرام نحو ثمان سنوات على إقرار الدستور الحالي فإن الكثير من الحقوق والحريات المنصوص عليها فيه لا يقع احترامها، ومجموعة من المقتضيات لم تتم أجرأتها،ولا سيما فيما يتصل بإصدار بعض القوانين التنظيمية، كالقانون التنظيمي الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية والمجلس الوطني للثقافة واللغات....

 

السيدات والسادة،

رغم مضي زهاء خمس سنوات على التصريحات غير المسؤولة لوزير الداخلية داخل مبنى البرلمان بتاريخ 15 يوليوز 2014، التي تهجم فيها على الحركة الحقوقية وكال لها اتهامات جزافية لا تقوم على أي أساس مادي أو قانوني، فإن الدولة واصلت تضييقها الشامل ضد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فروعا ومركزا، والضغط على مختلف شركائها، وإغلاق جميع الفضاءات العمومية في وجهها، وحجب صوتها وصورتها في الاعلام العمومي، والقيام بحملات للتشهير بها والافتراء عليها من طرف الإعلام المسخر، وتسخير أجهزة الدولة لمحاصرة مناضليها ومناضلاتها والانتقام منهم/ن بشتى الطرق والوسائل.

وهكذا، فإن الجمعية شرعت في الإعداد لمؤتمرها الثاني عشر في ظروف ظلت موسومة بمواصلة الدولة لحملة التضييق والحصار، اللذين شنتهما عليها، وعلى الحركة الحقوقية والديمقراطية  وقد تجلت هذه الحملة، التي لم تسلم منها هيئات ومنظمات وطنية ودولية عاملة في مجال حقوق الإنسان، فضلا عما سبق، في الامتناع عن تسلم الملفات القانونية عند تجديد عدد متزايد من الفروع بلغت لحدود الساعة 53 فرعا، أو رفض تسليم وصولات الإيداع المؤقتة أو النهائية عنها ل 10 فروع، والعمل على وضع العراقيل أمام عقد المؤتمر بكل الوسائل...

وبهذه المناسبة لا يسعني إلا أن أتقدم بأسمى عبارات الشكر والامتنان لكل الهيئات والمنظمات والشخصيات، على هذا التضامن وهذه المناصرة، وأن أنوه بما أبداه مناضلو ومناضلات الجمعية من حس نضالي عال ووحدة متراصة لإفشال كل محاولات النيل من اطارهم/هن العتيد.

أيها الأعزاء والعزيزات؛

إذا كانت الحركة الحقوقية والديمقراطية تمكنت من تحقيق مجموعة من المكاسب على المستوى المعياري، من خلال ما حمله دستور 2011 من ضمانات حامية للحقوق والحريات، رغم محدوديتها، ومصادقة المغرب على بعض البروتوكولات الملحقة بالاتفاقيات الدولية، أو عزمه على ذلك بالنسبة لأخرى...، وصدار المجلس الوطني لحقوق الإنسان لمجموعة من التقارير العامة أو الموضوعاتية، وتمكن وزارة حقوق الإنسان والمندوبية الوزارية من احراز تقدم مشهود في وضع التقارير الحكومية أمام الهيئات التعاهدية، واستمرار المغرب في التعامل مع الآليات الأممية التعاهدية وغير التعاهدية، بالرغم مما يعتريها من قصور ومحدودية، وأحيانا من رفض وعدم تجاوب؛ فإن الدولة لم تعمل في الكثير من الأحيان على التجاوب مع التوصيات والأخذ بالملاحظات الختامية لهذه الآليات.

فعلى مستوى الحقوق المدنية والسياسية استمرت الدولة وبشكل متصاعد في انتهاك العديد من الحريات العامة والحقوق الفردية كالحق في التنظيم والحق في التجمع السلمي والحق في حرية الرأي والتعبير والصحافة والمحاكمة العادلة والحماية من التعذيب، ومن الاعتقال السياسي...؛ فيما شهدت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية في المغرب من انتهاكات غير مسبوقة؛ تجلت في سعى الدولة، إلى الاجهاز الكامل على كافة الخدمات العمومية وتسليعها، وتسريع وتيرة تفكيك القطاعات العامة وتفويتها، وإخضاع الأسعار لمنطق السوق وتقلباته، والإجهاز على مكتسبات الأجراء ومدخراتهم، ومواصلة العمل باقتصاد الريع، والاستمرار في نهج سياسة الافلات من العقاب في الجرائم الاقتصادية؛ هذا بالإضافة إلى ما تعانيه حقوق المرأة والطفل و حقوق ذوي الإعاقة والمهاجرين واللاجئين من انتقاص وهدر وهضم.

الأمر الذي يضع على عاتق الجمعية والحركة الحقوقية عموما مهام كبيرة، لوقف التراجعات وتحصين المكتسبات والتقدم نحو انتزاع المزيد منها، خدمة لمبادئ وقيم حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها.

الحضور الكريم؛

اسمحوا لي في ختام هذه الكلمة المختصرة، أن أجدد، باسم المكتب، الشكر لكل من ساهم في دعم الجمعية في نضالها من الحفاظ على استقلاليتها وخطها الحقوقي، ولجميع الأشخاص الذاتيين أو المعنويين الذين قدموا الدعم المادي والمعنوي لينعقد هذا المؤتمر في شروط مناسبة.

وعاشت الحركة الحقوقية متضامنة ومتآزرة.

وعاشت الجمعية متوهجة ومتجددة.

26 أبريل 2019.

 

 

 


المزيد حول عام عودة